الحاسوب أو الصورة الافتراضية للإنسان

بواسطة | أغسطس 14, 2017 | خـواطـر, خارج النص | 0 تعليقات

رغم أن الإنسان ليس هو الكائن الحي الوحيد الذي يمتلك القدرة على التأمل والاقتباس، إلا أنه يمكن الجزم بأنه يتربع على عرش مخلوقات الأرض من جهة تمكنه وبراعته في استغلال هاتين الملكتين. وما التطور التكنولوجي الذي نعيشه في كل مجالات الحياة، والذي جعله يتفوق على جميع الكائنات السابقة واللاحقة ليصبح الملك المتفرد والمستحوذ على العالم ومقدراته إلا ترجمة صارخة على استغلاله الأمثل لملكتي التأمل والاقتباس.

إن فعل التأمل يفترض أن تنظر إلى ما حولك من آيات الطبيعة المحسوسة، و تتساءل عن كنهها وكيف ولماذا أتت إلى الوجود، وما فائدتها… مع الاعتقاد الجازم بأن الطبيعة تكره تماما الفراغ : فحتى الفراغ الكوني الذي كان العلماء يظنون أنه يفصل بين الأجرام السماوية، اتضح أنه مليء حد التخمة بمادة وطاقة سوداء لا نستطيع سبر أغوارها بكل أدواتنا التكنولوجية الحالية الفائقة الدقة.

أما الاقتباس فهو محاولة استنساخ وتطويع الظاهرة الطبيعية – التي تأملها الإنسان ووعى فائدتها – لإرادته بهدف سد حاجة ما أو تحقيق غاية منشودة أو تبسيط أو تسريع الوصول إليها، كون الإمكانيات الذاتية التي يتيحها جسمه لا تتيح له ذلك.

وعلى هذا الأساس، فمقولة أن الإنسان مخترع بالفطرة غير دقيقة جدا، كون أغلب الأدوات والآلات والآليات التي أوجدها ما هي في حقيقة الأمر إلا اقتباسات لظواهر وحقائق طبيعية موجودة أصلا، وقليل هي الاختراعات التي أوجدها الإنسان دون أن تكون لها أية صلة بالطبيعة أو بما يدور حولنا من أحداث وظواهر لا تعد ولا تحصى.

الغراب يدفن موتاه

وقد برع الإنسان في الاقتباس من أمه الطبيعة منذ أول عهده بالأرض عندما لم يفطن قابيل إلى كيفية مواراة سوءة أخيه الذي قتله، فكان أن اقتبس من الغراب الذي بعثه الله إليه ليعلمه كيف يكرم الإنسان الحي أخاه الإنسان الميت… ومنذ ذلك الوقت، والإنسان يتأمل الطبيعة ويقتبس منها ما يفيده في حياته ويسهل معيشته، والأمثلة كثيرة : فالطائرة التي قلصت شهور السفر إلى ساعات تشبه حد التطابق الطيور، وطرق بناء الأبنية الشاهقة مستمدة من أبنية شاهقة أخرى يبنيها نوع من النمل الأبيض يوجد في المناطق الحارة، وتجهيز الكاميرات بالأشعة ما تحت الحمراء حتى تتغلب على الظلام الدامس أتت بعد دراسة الرؤية الليلية للثعابين، أما جهاز السونار الذي يستعمل في البواخر والغواصات لاستكشاف أعماق البحار والمحيطات فهو مقتبس من الحيتان، إلخ…

 
ولا يبدو أن الإنسان سيتوقف عن “اختراعاته المقتبسة” لدرجة أنه حاول ونجح نسبيا في أن يقتبس من نفسه، ويطور اقتباسه إلى آلة ذكية “تفكر” مكانه وتنفذ مهام تلقائية معقدة في ظرف وجيز : إنه الحاسوب. والعين المتأملة الخبيرة الفاحصة في مكونات هذا المخلوق الآلي لن تجد أدنى صعوبة في الوصول إلى خلاصة أن الإنسان لم يكتف فقط بمحاولة “خلق” كائن “مفكر” يشبهه، بل تفنن أيضا في تجهيزه بالعديد من العناصر والمكونات التي تشبه أعضاء وأجهزة ومكونات في جسم الإنسان ذاته، بهدف تسهيل عمل الحاسوب وضمان تواصله مع المحيط الخارجي.
 
فإذا كان الإنسان كائنا من جسد وروح – وقد تأخذ هذه الأخيرة أسماء أخرى بحسب اختلاف الثقافات فنسميها شخصية أو إدراكا أو أحاسيس – لا يمكن تصور الإنسان إنسانا دون اجتماعهما، فإن الحاسوب أيضا له جسد يسمى العتاد (Hardware) وروح تسمى برمجيات (software) لا يمكن تخيل الحاسوب حاسوبا دون اجتماعهما معا.

لكن المقارنة لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد نُميِّز بعضا من أهم مكونات جسم الإنسان التي تقابلها أجزاء أساسية في الحاسوب:

– الجلد والعظام والعضلات : التي تُؤسِّس للشكل الخارجي لجسم الإنسان، ويقابلها في الحاسوب الصندوق (Computer Case).

– الدماغ : أهم عضو في جسم الإنسان ومركز التفكير والإدراك ومعالجة ومراقبة المعلومات الداخلة والخارجة. ويبدو أن المعالج المركزي للحاسوب (CPU) يقوم تماما بنفس المهمات.

الدماغ والمعالج المركزي

– للدماغ ذاكرة : قصيرة المدى تُعرَف بذاكرة العمل التي تمكننا مثلا من تذكر رقم هاتف تلاه أحدهم عليك للتو لتركيبه في هاتفك، أو عملية رياضية لإيجاد حل ذهني لها دون كتابتها. ثم هناك الذاكرة البعيدة المدى التي تمكننا من حفظ الذكريات وكل ما تعلمناه منذ طفولتنا الأولى. ألا يظهر أن كلى من الذاكرة المخبئية للمعالج المركزي (Cache Memory) وذاكرة الوصول العشوائي (RAM) تشبه ذاكرتنا القصيرة المدى. أما القرص الصلب وأبناء عمومته من أقراص مدمجة ومفاتيح الفلاش حيث يمكن تخزين المعلومات لمدة طويلة (…)، فالذاكرة الطويلة المدى هي شبيهتها عند بني البشر.

– أما وحدة التغذية (Power Supply Unit) فهي شبيهة القلب والشرايين أي الجهاز الدوراني الذي يوفر الطاقة اللازمة لاشتغال الدماغ وباقي أجزاء الجسم عبر ضخ الدم الغني بالأوكسجين والعناصر الغذائية.

– وإذا كان للإنسان حواس خمس تمكنه من التفاعل مع محيطه الخارجي تأثيرا وتأثرا، فللحاسوب أيضا أجهزة ادخال وإخراج تُؤمِّن نفس المهام مثل الفأرة ولوحة المفاتيح والميكروفون، إلخ… حتى نتواصل ونؤثر في الحاسوب، والشاشة والطابعة والسماعات حتى يتواصل هو معنا ويؤثر فينا.

– يلزم أيضا أن يتواصل الدماغ مع أجهزة الجسم الأخرى أي محيطه الداخلي بهدف إرسال التعليمات لتنفيذها وكذلك لمراقبة الاستجابة للتعليمات وانتظامها، ولهذا يوجد الجهاز العصبي المحيطي المكون من شبكة معقدة من الأعصاب التي تتيح – زيادة على ما سبق – التواصل بين مختلف أعضاء الجسم حتى يعمل هذا الأخير في إطار من التناغم والتجانس. وهذا ما تقوم به تماما البطاقة الأم (MotherBoard) التي تعتبر بحق قاعدة التواصل بين مختلف أجزاء الحاسوب.

ورغم التعقيد الظاهر للحاسوب، إلا أنه بالتأكيد لا يصل إلى درجة تعقيد دماغ أو جسم الإنسان. كما أن هذه الآلة الذكية لا تفكر فعلا مثل الإنسان، بل تقوم فقط بتنفيذ عمليات معالجة للمعلومات وفق آليات وخوارزميات معدة سلفا، عكس دماغ الإنسان الذي يتميز بالمرونة والقدرة على الإبداع اللامتناهي. ليبقى السؤال مطروحا، هل سيستطيع فعلا الإنسان الذهاب إلى أبعد حد في محاولته “خلق” كيان ذكي على صورته؟