ما هو الفحص بالصدى أو الموجات الصوتية

بواسطة | ديسمبر 27, 2017 | تحاليل طبية | 2 تعليقات

يعتبر الفحص بالصدى المعروف أيضا بالفحص بالإيكو أو الموجات الصوتية أو “التلفزة” من أهم أدوات التشخيص التي يستعين بها الطبيب في الوقت الحالي. فبالإضافة إلى سعرها المنخفض نسبيا مقارنة مع باقي الفحوصات وكونها غير مؤذية أو مؤلمة، فإن بإمكانها تشخيص عدد كبير من الأمراض بما فيها الأمراض الصامتة : أي التي ما زالت لم تظهر على شكل أعراض مما يساعد على علاجها بسرعة وبأقل تكلفة مادية ونفسية.

وكما هي العادة، فلعموم الناس أفكار مسبقة عن هذا الفحص التكميلي الهام، بعضها يصل إلى حد السخافة بصراحة، بل هناك أفكار قد سئمت من تصحيحها للناس بسبب تجذرها في المخيلة الشعبية : من بينها أن “التلفزة” لا تمت بصلة إلى التلفزة الحقيقية، اللهم ربما الشاشة التي يحملق البعض فيها، ويظهر نوعا من المعرفة ليبدأ في تفسير هذا اللون وتوضيح هذه الصورة، و… لله في خلقه شؤون.

.

ما هو الفحص بالصدى ؟


الفحص بالصدى
هو تقنية للتصوير الإشعاعي تستغل خصائص فريدة للذبذبات الصوتية وفوق الصوتية – أي التي لا نسمعها – لإعطائنا صورا للوسط قيد الدراسة بالإمكان تأويلها وإخضاعها للمقارنة وتفسيرها.

تستطيع الأذن البشرية سماع الأصوات التي يتراوح ترددها بين 20 و 20 ألف هرتز. أما أغلب أجهزة الفحص بالصدى فتستغل ترددات تتراوح بين 1 و 20 مليون هرتز، مما يجعلها غير مسموعة، وذلك هو سبب تسميتها بالموجات ما فوق الصوتية، إلا أنها تتبع الموجات المسموعة في أغلب خصائصها ومميزاتها الفيزيائية كما سنرى ذلك أسفله.

الفحص بالإيكو عند الحيوانات

تكنولوجيا التصوير بالأصوات غير المسموعة ليست حديثة ولا هي من اختراع الإنسان، بل سبقته إليها العديد من الحيوانات مثل الخفافيش والدلافين والحيتان وبعض أنواع الضفادع التي تستطيع الرؤية حتى في الظلام عبر تقنية الصدى، بل إرسال واستقبال معلومات عبر هذه التقنية. كما أن الميدان الطبي ليس هو الوحيد المستفيد من الفحص بالصدى، فهناك مثلا السونار التي تستعمله البواخر والغواصات لفحص قاع البحار والمحيطات، كما تستعمل نفس التقنية في الحروب للكشف عن الألغام الأرضية، وفي تعقيم المياه والألبان، والكشف عن العيوب والتشوهات والشقوق في الأبنية والجسور وحتى البنايات النووية للتأكد من سلامتها ومتانتها.

أما في المجال الطبي، فقد بدأ الاهتمام بالموجات فوق الصوتية في بداية الأربعينيات، لكن أول جهاز للفحص بالصدى تم استعماله لدواعي طبية تطبيقية – وكان لكشف السرطان – كان من اختراع الطبيب البريطاني (جون وايلد) والمهندس الأمريكي (جون ريد) سنة 1951، لتتطور الأجهزة مع الوقت، وننتقل من الأجهزة الأحادية الأبعاد التي كانت لا تظهر إلا منحنيات، إلى أجهزة ثنائية الأبعاد التي ما زالت تستعمل إلى حد الساعة مع العديد من التحسينات التي تجعل من الصور أكثر فأكثر وضوحا. دون أن ننسى الفحص بالصدى الثلاثي والرباعي الأبعاد الذي يظهر صورا أصبحت تنافس الصور الثلاثية الأبعاد للرنين المغناطيسي، دون أن ننسى أنها مباشرة أي (real time) وليست فقط صورا مطبوعة.

Wild and Reid

 

كيف تتكون الصورة بالصوت ؟


ما لا يعرفه الكثير هو أن أغلب مكونات جهاز الفحص بالصدى توجد في المجس : تلك الأداة التي يمسكها الطبيب برفق ويضعها على بطن المريض : بل هي جهاز الفحص بالصدى إذا أمعنا النظر جيدا، أما “التلفزة” فما هي إلا الشاشة التي تظهر نتائج عمل المجس بعد معالجته من طرف نظم معلوماتية مرفقة.

إن المجس أو المسبار يحوي الجزء الرئيسي لجهاز الفحص بالصدى المعروف باللوحة الكهرضغطية (Piezoelectric panel) : خاصية الكهرباء الضغطية تميز بعض المواد البلورية مثل الكوارتز والسيراميك وحتى العظام، حيث يمكن لهذه الأخيرة الانضغاط بنسبة معينة عند تعريضها لتيار كهربائي قوي متناوب، وما إن ينقطع هذا التيار لضرف وجيز حتى تبدأ قطعة السيراميك في الارتجاج، ومن تم إصدار ذبذبات صوتية غير مسموعة.

مكونات مجسات الفحص بالصدى

والعكس صحيح : أي عندما تستقبل نفس قطعة السيراميك الموجات فوق الصوتية المنعكسة المعروفة بالصدى، تبدأ من جديد باهتزاز يغير من سمكها، ويؤدي إلى توليد جهد كهربائي يمكن قياس شدته وتسجيله. وبالتالي، فمجس الفحص بالصدى بإمكانه إنتاج وإرسال الموجات فوق الصوتية، بل واستقبالها من جديد بعد انعكاسها، وهذا بالذات هو مبدأ عمل جهاز الفحص بالصدى.

يقوم المسبار إذن بإرسال موجات فوق صوتية كل 5 أجزاء من المليون من الثانية 200 مرة في الثانية، وينتظر صدى الموجات بين كل إرسال مدة 4995 جزء من المليون من الثانية لاستقباله ومن تم ترجمته إلى جهد كهربائي. وتلكم ثانية واحدة من عمل جهاز الفحص بالصدى.

 

ماذا يحدث في جسمك عندما يفحصك الطبيب بجهاز الفحص بالصدى ؟


تتكون أجسامنا من عدة أعضاء وأجهزة وأنسجة وأوساط بمكونات وصلابة تختلف من وسط لآخر : فهذه عظام صلبة وتلك دماء سائلة وذلك نسيج رخو،… و جهاز الفحص بالإيكو قادر على التمييز بين كل هذه الأوساط  : إن الموجات فوق الصوتية لا تعبر كل الجسم محتفظة بكل طاقتها، بل إنها عند أول اختلاف بين مكونات وسطين متلاصقين تفقد جزءا – كبيرا أو صغيرا – من قوتها، هذا الجزء ينعكس عائدا إلى المجس بمعلومات ثمينة حول الوسط الذي تسبب في انعكاسه كما لو أنه مرآة : فيتوصل المجس بمكان تولد الصدى (وبالتالي بعده عن المسبار) وشدته (وبالتالي طبيعة تكوينه) مئتي مرة في الثانية. أما ما تبقى من الموجات الصوتية، فيستمر في اجتياز مختلف الأنسجة رغم انحرافه عن مساره المبدئي ورغم عدد من المعوقات التي تمتص جزءا من الموجات الصوتية أو تشتته أو يتفاعل مع الوسط المحيط به، إلى أن تخبو شدة الصوت ويختفي بفعل كل العوامل السابقة.

الموجات الصوتية في الجسم

نشير إلى أنه كلما كانت ذبذبات الأشعة فوق الصوتية مرتفعة، كلما كانت تضاريس الصور أكثر وضوحا، لكن الأشعة لا تستطيع الذهاب بعيدا في داخل الجسم، وبالتالي تتدهور جودة الصورة بعد سنتمترات قليلة من المسح الصوتي، عكس المجسات ذات التردد المنخفض التي تعطي صورا متناسقة من السطح إلى العمق بفضل الأشعة التي تستطيع اجتياز عشرات السنتمترات دون توقف. وهذا ما يفسر تخصيص المجسات العالية التردد للأنسجة والأعضاء الأكثر قربا من السطح مثل الجلد والعضلات وأعضاء مثل الغدة الدرقية والثدي والخصيتين، إلخ… أما بقية الأعضاء الأكثر عمقا، فنخصص لها المجسات ذات التردد المنخفض كما ترون في الصور أسفله.

 

ما فائدة الفحص بالصدى في مجال التشخيص الطبي ؟


خصائص الموجة فوق الصوتية تجعلها غير قادرة تماما على عبور الأوساط التي تحوي غازات أو المشكلة من النسيج العظمي، وبالتالي فجهاز الفحص بالصدى يبقى عاجزا عن دراسة العظام أو أجزاء الأعضاء التي تكسوها العظام، وكذلك الرئتان المليئتان بالهواء. كما أن الأمعاء عندما تكون مليئة بالغازات تصعب كثيرا دراسة نسيجها، وربما تصعب حتى رؤية بعض الأعضاء المجاورة لها.

الفحص بالصدى

لهذا يعرف جهاز الفحص بالصدى بجهاز فحص الأنسجة الرخوة، بحيث يستطيع دراسة شكل ومكونات الأعضاء التالية :

👈 ملحقات الجهاز الهضمي : الكبد والمرارة والطحال والبنكرياس.

👈 الجهاز البولي : الكلي والمثانة والبروستاتا.

👈 الحمل من البداية إلى النهاية.

👈 الجهاز التناسلي : الرحم والمبيضين والثدي عند المرأة، والخصيتين عند الرجل.

👈 العضلات والأوثار وباقي مكونات المفاصل.

👈 القلب والشرايين والأوردة.

👈 الجلد والعين والعقد اللمفاوية وكل التشكيلات النسيجية الرخوة السليمة أو المريضة أو المُحدَثة…  

أما القناة الهضمية فهي صعبة الدراسة، كما أن الدماغ محمي بالجمجمة مثل الرئتين المحميتان بالقفص الصدري، وبالتالي لا يمكن دراستهما إلا في حالات خاصة جدا مثل أن يمتلئ غشاء الرئة بالسوائل (الماء في الرئة)، أو عند حديثي الولادة الذين ما زالت عظام جمجمتهم لم تلتئم بعد، تاركة فراغات أمامية وخلفية تعرف باليوافيخ.

 

كيف يمر الفحص بالصدى عند الطبيب ؟


الفحص بالصدى
ليس فحصا سريريا، بل تكميليا مثله مثل التصوير بالأشعة السينية أو السكانير أو التحاليل الدموية، وبالتالي فمن المحتمل ألا تجده عند الطبيب الذي بإمكانه وصفه لعمله في إحدى المختبرات الطبية المخصصة لذلك. لكن أصبح أغلب الأطباء  – ومن جميع التخصصات – يملكون جهاز الفحص بالصدى الذي قد تختلف مميزاته وترددات مجساته حسب كل تخصص.

أما المرضى المقبلين على عمل فحص بالصدى، فننصحهم بما يلي :

✅ الإمتناع عن الأكل والشرب 12 ساعة قبل إجراء الفحص البطني بالصدى (المرارة، الكبد، البنكرياس، الكلي، الطحال).

✅ الامتناع عن التبول صباحا، أو شرب نصف لتر إلى لتر من الماء – إذا تم التبول – ساعة قبل موعد الفحص بالنسبة للنساء في بدايات الحمل وأمراض الجهاز التناسلي والبولي عند كلا الجنسين.

جل الفحص بالصدى

خلال عملية الفحص بالصدى، يقوم الطبيب باستعمال جل خاص على جسد المريض حتى يكون التماس بين المجس والجلد كاملا دون أي هواء قد يؤدي إلى انعكاس جزئي للأشعة، ومن تم تدهور جودة الصور المحصل عليها. كما قد يشير عليك الطبيب بأخذ نفس عميق، أو نفخ بطنك، أو تغيير طريقة رقودك، أو بالضغط شيئا ما على مكان الفحص،… كل ذلك لمحاولة الحصول على صور واضحة، قابلة للتأويل، خالية من الشوائب والمصائد التي قد توقع الطبيب في خطأ تشخيصي قد تكون عواقبه وخيمة : لذلك اتبعوا إرشادات الطبيب واصبروا وصابروا.

 لطرح أسئلتكم واستفساراتكم حول الموضوع أعلاه، المرجو ترك تعليقاتكم أسفله…