أول المطر قطرة و أصل البناء الأساس !

بواسطة | يوليو 26, 2014 | خـواطـر | 0 تعليقات

 هذا المقال تم نشره على إحدى صفحات الفايسبوك المحلية  في شأن محلي منذ حوالي السنة. و لكن الأفكار التي تتضمنه يمكن أن تنطبق على مجتمعنا برمته. كما يمكن لقارئ هذه السطور أن يتعرف على الدواعي التي جعلت صاحب هذا العمل الإلكتروني يُقْدم على إنشاء هذه المشاريع الرقمية، و الأهداف التي يرمي الوصول إليها الطبيب حسب إمكانياته المحدودة و اهتماماته الشخصية و المهنية.
. 

العنوان الأبرز = الجمود

.

يعرف النشاط الثقافي و التوعوي / التحسيسي على مستوى منطقة ابن أحمد شللا شبه مزمن، اللهم بعض الأنشطة الموسمية الفردية التي يغلب عليها طابع الفئوية، أو من هذه الجمعية أو تلك ما تلبث أن تصبح نسيا منسيا، رغم حاجة الجمهور الملحة لمثل هذا النوع من الأنشطة الذي يساعد على تأطير الناس ومساعدتهم على إدراك حقوقهم، والالتزام بواجباتهم، والرقي بالوعي العام بما فيه صالح الفرد و المجتمع.

.

الجهل و التجهيل

.

عموما، إن انتشار الأمية والجهل والإشاعات والأفكار المغلوطة والأحكام المسبقة غير المستندة على منطق أو دليل، خصوصا في المجالات التي تؤثر مباشرة على الحياة اليومية للمواطن العادي، لا يساعد هذا الأخير على الفهم الجيد للمسألة أو المشكلة أو الوضع الذي يواجهه، وبالتالي فإنه يكون عاجزا عن اتخاذ قرارات تناسب هذا الوضع. من جهة أخرى، يصبح من الصعب تحقيق التواصل والتفاهم، وتقارب الأفكار أو امتزاجها بين الأكثرية التي تجهل أو تأخذ بالإشاعة أو الكلام المرسل…والأقلية التي تعلم وتعمل بالمنطق و الدليل. بل إن هذه الأخيرة، إن ساءت النية، يمكنها الاستفادة من هذا التخلف الأكثري لتحقيق مآرب شخصية أو الحصول على امتيازات بدون وجه حق، في ظل غياب أو بالأحرى تغييب تطبيق القوانين والقواعد التي تصون الحقوق وتنظم المعاملات بين الأفراد.
 .

الصيد و السمكة

.

ويبقى الحل هو بناء وعي عام يقود إلى نشأة رأي عام يعرف ما له وما عليه، ويضغط في اتجاه نيل حقوقه كما يلتزم بواجباته. وهذا بالفعل ما يجعل المجتمعات الغربية متقدمة، ليس فقط لكونها تتوفر على القوة الاقتصادية أو المالية أو العسكرية، فهذا وحده لا يجعل منها متقدمة (…)، بل بحكم وجود رأي عام ضاغط يحسب أنفاس الطبقة التي عُهد إليها بتسيير أموره في كل المجالات، ويسهر على أن تستقيم شؤون الأفراد و الجماعات، وتتحقق فيهم – جميعا ودون استثناء أو تمييز – القواعد والقوانين التي اتفقوا عليها.

 

مهمة تنوير المجتمع والمساهمة في السمو بالأفكار والأخلاق تبقى منوطة بذوي العقول النيرة والطاقات والكفاءات العلمية في كل المجالات، سواء كان عن طريق مجهود فردي أو من خلال التكتل في جمعيات. هذه الكفاءات يستحسن أن تنتسب إلى نفس النسيج المجتمعي، حتى تكون ملمة بنواقصه ومكامن ضعفه على مستوى المعارف وأمور الحياة المفروض أنها معلومة بالضرورة من طرف الجميع؛ كما أن هذا الانتماء يتيح معرفة أمثل الطرق للتواصل مع الأفراد حتى يتحقق توصيل الأفكار إليهم بطريقة سلسة ومفهومة.

 

إن المجهودات التي يقوم بها الأفراد ذوي النيات الحسنة أو الجمعيات  – كيفما كانت طبيعة أنشطتها – لا يجب أن تقتصر على الدعم أو المساعدة المادية المباشرة رغم أهميتها، بل يجب أن تتعداه إلى العمل التوعوي التثقيفي والتوجيهي، لسبب بسيط كون الإستفادة تكون مستدامة وليست ظرفية أو وقتية كما هو حال المساعدات ذات الطابع المالي أو العيني الصرف…. أليس تعلم الصيد افضل و أجدى من القبول بالسمكة ؟

.

أبناء الوطن أولى بالوطن

 

 .
إنه لمن البديهي أن تبادر هذه الكفاءات المستنيرة، التي تمثل قاطرة المجتمع نحو التقدم والرقي، إلى المساهمة بفعالية في تقويم الاعوجاج والتصدعات القيمية والمعرفية التي يعرفها بنيان المجتمع، عبر تخصيص جزء يسير من وقتها ولما لا من مالها، ليس إحسانا لمجتمعها أو رأفة به، بل وفاءا وعرفانا له بالجميل، كونه كان له بعض الفضل، قليلا كان أو كثيرا، فيما أصبحت عليه أو وصلت إليه. عكس ما يذهب إليه بعض المتعلمين الذين يتنكرون لأصولهم، ويترفعون عن تقديم النصح والإرشاد إلى بني جلدتهم، بحجة انشغالهم بأمور أهم أو عدم وجود الوقت، أو بأن هؤلاء القوم ميؤوس منهم، فلا داعي لتضييع الوقت معهم.

 

شخصيا، أعتبر أن هناك ما لا يقل عن 8 مجالات تؤثر بشكل مباشر و محسوس على حياة الفرد إيجابا أو سلبا، و بالتالي يفترض أن يكون للكفاءات والمتخصصين في هذه المجالات الحيوية يد و فضل في تفسير وتوضيح آليات الاشتغال وطرق التفاعل وسبل الإفادة و الاستفادة أو التأثير و التأثر، حتى تصبح الحقائق معلومة لدى الجميع، ولو بحدودها الدنيا. هذه المجالات الحيوية هي : السياسة، الاقتصاد، الدين والمعاملات، الصحة،  التربية والتعليم، الضرائب، العدل، الإعلام و المعلوميات.

.

يد الله مع الجماعة

 

 .
إن ما تعانيه ساكنة منطقة وحاضرة ابن أحمد من غياب شبه تام لهذه الأنشطة ذات القيمة المضافة والمنفعة المستدامة لا يرجع بالتأكيد إلى غياب الطاقات والعقول النيرة التي تنتسب إلى المنطقة، والتي يعول عليها في خدمة أبنائها والنهوض بهم على المستوى الثقافي والتحسيسي، بل المنطقة معروفة بإنجاب الكثير من الكفاءات التي برزت وتبرز على الصعيد المحلي والوطني والدولي أيضا.

 

 
إذن، وانطلاقا من كل ما قيل، أرى أن تتطوع الكفاءات التي لها غيرة على المنطقة، والتي تؤمن بأن الفعل أبلغ من القول، وأن المبادرة أجدى من الاقتصار على النقد والاستنكار والاستهجان – خصوصا تلك الحاصلة على مستوى جامعي أو شهادات من مؤسسات عليا أو مهنية في إحدى المجالات السالفة الذكر أو غيرها – و تجتمع على أمر إرشاد وتنوير الرأي العام المحلي، عبر تنظيم لقاءات وتقديم محاضرات تركز على تبسيط المعلومات التقنية الخاصة بموضوع مجتمعي ما، وتيسير فهمها (vulgarisation) حتى تكون الاستفادة عامة، بغض النظر عن المستوى التعليمي أو الثقافي للأفراد، على أن يكون هذا الجهد خالصا لوجه الله تعالى، بعيدا عن أي حسابات شخصية أو فئوية ضيقة، وأن تنحى الإيديولوجيات السياسية والثقافية وربما الدينية جانباً.
.
ولأن اليد الواحدة لا تجيد التصفيق، و أن يد الله مع الجماعة، فالأجدى أن ينتظم هذا الجهد التطوعي في نطاق جمعية مثلا، حتى يتحقق التنسيق بين مختلف المتدخلين وتستمر هذه الأنشطة بطريقة دورية و منتظمة.
.
وفق الله الجميع لما فيه خير البلاد و العباد، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
 
                                                                                         د. محمد لمجرد – طبيب –