المرفق الصحي العمومي : من المسؤول عن التردي ؟

بواسطة | يناير 5, 2015 | خـواطـر | 0 تعليقات

منذ مدة ليست بالطويلة (نهاية 2014)، طفت إلى السطح بوادر أزمة جديدة بين الأطباء ووزارة الصحة متمثلة في الوزير الوصي على القطاع، بعدما ألقى هذا الأخير باللوم على الأطباء تردي الخدمات الطبية و المرفق الصحي العمومي، بسبب تغيبهم أو تأخرهم عن أداء واجباتهم المهنية، مما يتسبب – حسب رأيه – في تعطيل مصالح الناس وتأخير استفادتهم من الرعاية الصحية، وتشويه صورة القطاع في أعين المواطنين، رغم الجهود الحثيثة التي تقوم بها السلطات الوصية للدفع بالقطاع إلى الأمام، وتقريب خدماته من المواطنين، عبر تسهيل وصولهم إلى مهنيي الصحة وإلى أدوات الاشتغال والعلاج.

بالطبع، الأطباء لم يرقهم هذا الهجوم غير المسبوق – وهم في ذلك على حق بنسبة كبيرة – فكان رد فعلهم غير مسبوق أيضا، حيث عملوا على نشر صور ومقالات على الفايسبوك توضح حجم العجز والتردي الذي تعرفه مستشفيات المملكة، من تنظيم وتطهير وتجهيز ومأكل، لا يستطيع الطبيب – ومهنيو الصحة على العموم – القيام بواجبهم المهني والأخلاقي بدونها، ولو في حدودها الدنيا. نفس الأمر ينطبق على المريض الذي لن يستفيد بكيفية تليق به كإنسان وكمريض من الخدمة الطبية.

إن تردي جزء كبير من الخدمات الطبية المقدمة في مختلف المؤسسات الصحية العمومية ليس مرده إلى العنصر البشري فقط، بل إنني أجزم بأن هذا ليس إلا غيضا من فيض : فالعنصر البشري لا يمكنه القيام بمهامه في غياب وسائل العمل، ولا يمكنه القيام بعمله على أحسن وجه في غياب الدعم المادي والنفسي الذي من المفترض أن يتلقاه من السلطات الوصية، والقوى الحية والمجتمع على العموم.

كيف يمكن للطبيب أن يعمل (و أنا هنا أتكلم عن تجربتي الشخصية كطبيب عام اشتغلت لمدة قاربت السنتين في مستشفى عمومي متعدد الاختصاصات) في ظروف أقل ما يمكن القول عنها أنها مهينة : فنحن لا نملك إلا أنفسنا، وبعضا من أدوات الاشتغال المهترئة التي غالبا ما لا تفيد في الوصول إلى هدفنا من عملية تشخيص المرض وعلاجه : لا وجود لمحارير ولا لمقياس الضغط ولا لجهاز قياس الوزن، بل وفي بعض الفترات حتى لأقلام للكتابة وورق نكتب عليه، في قسم اسمه المستعجلات.

كيف لا يتوفر مرفق صحي عمومي كبير كالمستشفى المتعدد الاختصاصات مثلا على جهاز للفحص بالصدى، أو على مصلحة للأشعة تشتغل طوال السنة ؟ أو مختبر لأغلب التحاليل البيولوجية الرئيسية ؟ أنا هنا أتكلم عن حقائق عشتها شخصيا، ولا أتهم أحدا بالمسؤولية أو أقر ببقاء الحال كما كان عليه الأمر 5 سنوات مضت… أنا هنا أحاول فقط أن أنقل إليكم إحساس طبيب يدرس 7 سنوات على الأقل، وتعلم كيف يتعامل مع المرض والمرضى وفق مقرر فرنسي كتابة ومضمونا، لم يأخذ بعين الاعتبار إكراهات القطاع الصحي في دولة نامية كبلادنا. إنه إحساس بالظلم والمرارة والحنق والضعف، بل وبالعجز عن القيام بما تمليه عليك إنسانيتك قبل مهنتك.
.
وهكذا يضطر الطبيب المسكين – مجبرا لا مخيرا – إلى العمل بما هو متاح، حتى وإن كان هذا “المتاح” لا يفي بالغرض، وقد يصل الأمر إلى ما أسميه “قَدّر وأعطي لعور” (التخمين)، وتَحمُّل انتقادات الناس والمجتمع، وزادت الوزارة الطين بلة حول أمور ومشاغل ومشاكل لا ناقة للطبيب فيها ولا جمل.

ثم هذا الطبيب الذي أصبح يشير إليه الجميع بأصابع الاتهام، أليس إنسانا يصيب ويخطأ، ثم أليس إطارا علميا متميزا يستحق احترام المجتمع : قويه وضعيفه، غنية وفقيره : ما رأيكم أن الدكتوراه التي حاز عليها بعد عناء طويل ليست إلا على الورق ؟ ولا تعترف بها حتى الدولة التي تعطيها له ؟ كيف نطلب من هذا الكادر العلمي أن يشتغل 24 ساعة في المستعجلات دون أن نساعده على الاشتغال، عبر توفير الطعام والشراب والمرقد المناسبين ؟ كيف يصبح الطبيب تحت رحمة الموظفين و “العساسة” المقربين من الإدارة : يحصون عليه أنفاسه، ويتجسسون على أعماله ؟

.
الطبيب والطبيب العمومي على وجه الخصوص لم يسلم حتى من أقاويل الناس، في ظل أمية صحية منتشرة في أوساطهم : فهو “متهم” حتى تثبت براءته بالغنى والتكبر و لزبونية و خفاء الدواء عن المرضى و عطاء الشهادات لمن هب و دب بمقابل وبدونه، وبأنه “يتكرفس” على الناس أو أنه “ما طبيب ما والو”، وزد على ذلك من عندك…
 
بالطبع، نحن نقر بوجود عناصر لا تأبه بالقسم الذي أدته قبل دخولها الرسمي إلى مهنة المتاعب : وهناك فعلا من ذوي البدلة البيضاء من يتغيب، أو يتأخر، أو يتاجر بالوصفات والشهادات، لا تهمه صحة المريض بقدر ما يهمه ما قد يجلبه له المريض.. لكنهم يبقون قلة قليلة جدا… ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون الاستثناء الذي يؤكد القاعدة : تلك التجاوزات مردها إلى طبيعة الإنسان نفسه وليس لكونه طبيبا، ونجد تلك الاستثناءات في جميع المهن والأحوال، و قد أنشئ القانون لضبط وإصلاح ومعاقبة تلك الحالات : هذا الأمر لا يجب أن يختلف عليه اثنان.

.
أناشدك بالمناسبة زميلي الطبيب / زميلتي الطبيبة التحلي بالمسؤولية، ونكران الذات والحكمة في التعاطي مع المشاكل التي تواجهك أثناء عملك، والصبر على الاكتظاظ وقلة الموارد والتجهيزات وضغط الإدارة والمسؤولين والمجتمع، دون نسيان المريض، ذلك المواطن البسيط الذي رمته الأقدار بين يديك ؛ خد بيده، وتذكر قوله تعالى “وقل اعملوا، فسيرى الله أعمالكم ورسوله والمؤمنون” وقول الرسول الكريم “يحشر قوم من أمتي يوم القيامة على منابر من نور يمرون على الصراط كالبرق الخاطف، نورهم تشخص منه الأبصار، لا هم بالأنبياء ولا هم بصديقين ولا شهداء، إنهم قوم تقضى على أيديهم حوائج الناس ” : بالمختصر المفيد، لنكن حكماء كما كان آباؤنا الأولون يسموننا.

نتمنى كذلك من السلطات الوصية الاهتمام بأحوال الأطباء وتوفير الحد الأدنى من المستلزمات الضرورية للعمل ؛ أو استبدال مقررات الدراسة بأخرى تتماشى مع إمكانات البلاد الصحية. كما نناشدهم رد الاعتبار لنا، بالاعتراف بشهادتنا الجامعية التي سهرنا الليالي و بذلنا الغالي والنفيس من أجل الحصول عليها.
.
.

 لطرح استفساراتكم وملاحضاتكم حول الموضوع، المرجو وضع تعليقاتكم أسفله…