عن بعض جوانب دراسة الطب

بواسطة | سبتمبر 6, 2014 | خـواطـر | 0 تعليقات

تتمة للموضوع الذي تطرقنا فيه لإشكالية خصخصة دراسة الطب في المغرب، وما ذكرناه عن ضرورة توفر شروط موضوعية في الطالب المقبل على دراسة الطب، و أن “الشكارة” يجب أن تكون آخر شيء يجب أخذه في الاعتبار عند قبول هذا الطالب… سأحاول اليوم اعتصار جزء من ذاكرتي الطويلة الأمد لأحكي لكم عن بعض جوانب دراسة الطب، وكيف أن الأمور ليست سهلة، وأن أولئك الذين يريدون الذهاب للاستجمام والتمتع بالحرية بعيدا عن الوالدين يتعذبون كثيرا…جدا…، وربما يستسلمون في أول أو منتصف الطريق. بالطبع أنا هنا لا أبخس باقي  الاختصاصات الجامعية والدراسات العليا أهميتها، كما لا أريد أن يفهم من كلامي أن “الأمر دونه خرط القتاد”.
.
…أتذكر جيدا أنه عندما ذهبت لمعرفة نتيجة طلب التحاقي بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، أنني قابلت يومها – وكان يوما شديد الحرارة من أحد أيام صيف 1999- طبيبا متخرجا لتوه من الكلية. وقد قابل سعادتي الغامرة بقبولي في كلية الطب بنوع من الفتور، محذرا إياي من صعوبة وطول مدة الدراسة، وأنني يجب أن أكون متأكدا مئة في المئة من اختياري ومستعدا لاجتياز كافة الصعوبات والمعوقات؛ لأنه خلاف ذلك فقد تضيع سنوات كثيرة من عمري في دراسة الطب دون أن أصل إلى مبتغاي، واقترح علي التفكير أيضا في تلك المدارس أو المعاهد التي تتيح مستقبلا مهنيا أفضل، دون أن تجعل حياتك جحيما وتبدأ تصبح و تمسي، وتنام وتستيقظ وحتى تحلم بالدراسة : تلك دراسة الطب في بلادنا وربما في العالم أجمع.
.
نبدأ بالعموميات، فدراسة الطب عندنا في المغرب تتطلب حاليا مدة لا تقل عن 7 سنوات، دون احتساب سنوات التخصص التي قد تدوم من سنتين إلى 5 سنوات. السنة الدراسية تدوم 11 شهرا في السنة، 5 أيام في الأسبوع، 8 ساعات في اليوم. هذا دون ذكر أيام المداومة الليلية أو الساعات الإضافية التي قد تأتيك أيام الأعياد، أو حتى في ذلك الشهر اليتيم الذي نخصصه للاستراحة و… لصلة الرحم.
.
دراسة الطب تعتمد على تكوين أكاديمي نظري نصف اليوم في الكلية، وآخر تطبيقي في المركز الاستشفائي نصف اليوم الآخر. الحضور إجباري في المستشفى وغالبا ما يكون “اختياري” في الكلية ؛ ورغم أن الدروس تكون متوفرة في المكتبات ومراكز النسخ يوميا، لكنك يمكن أن تخسر الكثير إذا كنت من هواة التغيب حيث هناك ما يقال وهناك ما يكتب، وغالبا ما يتجاهل “المدونون” الكلام الشفهي للمدرسين.
نظام الامتحانات أيام دراستي (هل ما زال على حاله ؟)  في كلية الطب نظام فريد : يمكن تصنيفه على انه نظام وحدات إكسترا، حيث لا يطلب منك النجاح في جميع المواد في كل دورة على حدة فقط، بل أيضا أن تحوز على 60 في المئة من الأجوبة الصحيحة. يعني كأن تحرز على 12/20 كمعدل لكل مادة، و لا يمكنك المرور إلى السنة الموالية إلا بمادة راسبة واحدة يجب عليك اجتيازها من جديد في السنة الموالية.
أشهر ما في الامتحانات هو طريقة صياغتها، ولا أخفيكم أنني دهشت يوم التحاقي بالكلية بأنه رغم كون الأسئلة تكون مرفقة باقتراحات أجوبة، إلا أن النقط التي يتحصل عليها أغلبية الطلبة تكون متدنية على العموم مقارنة بمستواهم في الثانوي. لكن أدركت فيما بعد أن الأمر ليس سهلا كما كان يبدو عليه في البداية، ليس سهلا على الإطلاق : إنها  بالفعل ملحمة، إذ لم يعد كونك قد فهمت وحفظت الدروس، فإنك قادر دون عناء على اجتياز الامتحانات، حيث لا يكفي أن تقرأ النصوص أو تحفظها، بل أيضا أن تبحث على ما يوجد بين السطور، وأن تتمرن على كافة الاختبارات التي تم اجتيازها في العشر سنوات الأخيرة، و أن تغلق على نفسك أسبوعا كاملا – هذا إن سُمِح لك بالتغيب عن المستشفى – تسهر الليالي، وتدرس وأنت تأكل وأنت تمشي وأنت نائم، وأنت…
.
وكأن هذا غير كافي، فإنك قد تفاجأ يوم الامتحان بأسئلة أقل ما يمكن القول عنها أنها خبيثة من شاكلة : دائما كذا، أو أحيانا، أو من الممكن… وقد تسبب هذا النوع من الأسئلة في اشتعال الغضب والاحتجاجات بين الطلاب في العديد من المناسبات حيث تنقلب الأجوبة من الصحيح إلى الخطأ بين ليلة و ضحاها، وكم من مناسبة اضطر فيها الأساتذة إلى تغيير أجوبتهم أو القبول بها كيفما كانت لأنها تحتمل الصواب و الخطأ معا.
.
من المدهش معرفة أن الكلية بالبيضاء لا تتوفر على حي جامعي خاص بها، ويضطر الطلبة من شاكلتي إلى طلب الولوج إلى الحي الجامعي بطريق الجديدة، وهو بعيد للغاية عن الكلية وعن المركز الجامعي الاستشفائي، أيامها لم يكن هناك ترامواي ولا هم يحزنون، بل فقط تلك الحافلات الزرقاء العتيدة المكتظة ليل نهار، حيث الجلوس في كرسي يعتبر رفاهية زائدة وحيث الالتزام بالوقت كان نادر الحدوث. لذا كان مسؤولي الحي مرتاحون “من جهتنا” إذ لا أنشطة سياسية لنا و لا ثقافيه و لا هم يحزنون : فقط نخرج باكرا لنصل في الوقت إلى المستشفى، لنعود متأخرين ليلا وأكبر همنا أن نأخذ قسطا من الراحة، و إذا سمح الوقت نهيئ الملفات الطبية ونراجع الدروس وننااااام….
.
من جهة ثانية، نحس نحن طلبة كلية الطب بأننا لسنا مرحبا بنا في الحي الجامعي، إذ لا يعقل أن لا يسمح لنا بولوجه من بداية “سنتنا” الجامعية إلى نهايتها، إذ لا تفتتح الأبواب إلا في آخر شتنبر و تغلق في منتصف يوليوز، بعد بداية دراسة الطب وقبل نهايتها، كما أن فكرة “وراه طبيب = فلوس” متغلغلة في عقول بعض المسؤولين أيامها…
.
خلاصة القول : دراسة الطب لا تحتاج أن تكون عالما في الرياضيات أو الفيزياء أو ما شابه، بل يجب أن تتوفر فيك خصلتين أساسيتين : القدرة على “لحس” الدروس وليس حفضها فقط بحيث لا يمكن أن تترك ولا حرفا واحدا، بل ومن المستحسن أن “تنمي” معلوماتك الطبية بمطالعة بعض الكتب خارج المقرر والتي تحفل بها مكتبة الكلية الممتدة على طابقين. لكن هذا يبقى غير كافي بل يجب أيضا أن تكون ذكيا في دراستك : وهنا لا أتكلم فقط عن الذكاء الطبيعي، بل عن طريقة العيش وسط كل هذا الزحام – في الكلية وفي المستشفى وأثناء الامتحانات وفي وقت “فراغك”.
.
أعني بذلك أن تطوع الزمان والمكان لإرادتك وأن تفعل ولا يفعل بك، وأن تعرف متى يجب أن تعمل بأقصى طاقة ومتى ترتاح وكيف تتعامل مع المرضى ومع بقية الزملاء و مهنيي الصحة، وكيف ترتقي في السلسلة الغذائية (عفوا المهنية)، وإلا فإنك ستجد نفسك تحت ضغط نفسي هائل وإحساس غير مريح تماما بأن الأحداث تتجاوزك دون القدرة على اللحاق بها، لدرجة أنك تصبح تغار من مول “صيكوك = بائع اللبن” الذي تفطر عنده او مول الحريرة الذي تتعشى عنده (تحية ليهم بالمناسبة) : “هاهو لابس وزرة بيضاء بحالك بحالو ولكن هو بيييخير مع راسو لأنه بينه و بين دراسة الطب غير الخير و الإحسان”.