الأمية الصحية : ما زال ما زال

بواسطة | ديسمبر 9, 2014 | خـواطـر | 0 تعليقات

هناك أمر غاية في الأهمية في مجال البحث عن المعلومة العلمية عموما و في ميدان الصحة و الطب على وجه الخصوص، سواء تعلق الأمر بكلام يلوكه الناس أو كتابات أو معلومات منشورة في الجرائد أو على النت أو حتى من عند الكادر العلمي أو الطبيب إذا لم تقتنع برأيه : و هو التثبت / التثبت / التثبت من المعلومات.
 
أن يقول لك شخص أشرب هذا الدواء فقد أفادني جدا، أو استعمل هذه العشبة لتتخلص من السرطان، أو احلق رأسك لينبت لك شعر جميل، أو أن تقرأ معلومات مغلوطة على النت تتعلق بالأعصاب أو البرودة أو… كل تلك قد تكلفك الكثير. ولنا في ذلك تجارب مريرة : كتلك التي فقدت جنينها لأنها استهلكت مواد مضرة، أو الذي أصيب بتسمم غذائي جراء تناوله أطعمة غير صحية، أو التي اتبعت طريق الشعوذة وكلام أشباه العلماء والأطباء لعلاج سرطان ثدي لم يشفى، بل أصبح غير قابل للشفاء لأنه انتقل إلى كامل جسدها…
 
و الأمر وصل إلى حد أن المريض “يتقاشع” (يتجادل لإخوتنا العرب) مع الطبيب حول الكثير من الأمور الذي هو أصلا لا يفهم فيها – وهذا ليس عيبا – كأن يقول لك بصفة الآمر أنه يجب عليك أن تصف له الدواء الفلاني لأن جاره كان يعاني من نفس الداء، وشفي بذلك الدواء، أو أنها لا تحبذ الجراحة في حالة حصى المرارة أو الكلى أو تكيس الكبد لأن خليط الأعشاب الفلاني فعال كما أكدت لها ذلك ابنة زوجة خالة أمها…
.
الأمية الصحية .
هل يظن هؤلاء أن العلماء والأطباء وأصحاب المختبرات العالمية الذين يمشطون الأرض طولا وعرضا بحثا عن جديد الاكتشافات وعرضا لآخر الاختراعات والابتكارات، لم يسمعوا بهذا الدواء الفريد الذي  يعلوا ولا يعلى عليه، ويشفي 327 داءا مرة واحدة ؟
 
ألا يعلمون أن أي دواء أو علاج قد  أخذ عشرات السنوات من الأبحاث المختبرية والتجارب على الحيوان والنبات والجماد، والاختبارات على آلاف وعشرات آلاف المتطوعين، حتى يتم التحقق من فعاليته وعدم خطورته على الصحة، ومن تم يتم طرحه في الأسواق للاستفادة منه، بل وتستمر عملية مراقبته حتى بعد تسويقه ؛ لتأتي أنت بجرة لسان تقول أن هذا الخليط السحري أو تلك المياه المباركة أو ذلك الشيخ الجليل يشفي من السكري أو من الضغط، لأن فلان بن علان شفي منه… فهل بالله عليكم يشفى الناس نهائيا من مثل هذه الأمراض المزمنة.
 
و قد يقول قائل : و لكن فلان كان بالفعل مريضا وشفي : نقول إن تجاوب شخص أو شخصين أو عشرة أشخاص مع “علاج” غير اعتيادي لا يقبل به دين ولا علم. ومن لم تثبت نجاعته وفق قواعد البحث العلمي المؤصلة، لا يعتد به ؛ و هو يدخل في نطاق العدم أو العلاج الوهمي (Placebo effect) المعروف جيدا لدى العلماء والأطباء، والذي نستعمله بالفعل في عملنا في بعض الحالات..
..
إننا حقا مجتمع أمي صحيا، وأميتنا مركبة : فنحن لا نعلم بأننا لا نعلم، في ميدان لا يقبل إلا بالطرق الموثوقة والموثقة نظريا وتجريبيا وعمليا.

.

الأمية الصحية
.

يجب علينا إذن أن نحتاط من مثل هذه الأمور، ونتجنب اتباع الطرق التي يمكن أن تؤذينا وتؤذي فلذات أكبادنا. وبالتالي فإنه :

– لا يجب أبدا الأخذ بكلام الناس في مجال التطبيب والصحة، وإن كان صحيحا. فالطب علم نسبي، وكل شخص هو حالة قائمة بذاتها، لا ينطبق عليه صحيا ما ينطبق على غيره، وإن كان توأمه، ويعيش معه في نفس البيت، ويأكل معه من نفس الطعام، ويلبس من نفس الثياب : إنه أول شيء يجب أن نعرفه و نطبقه في مجال محاربة الأمية الصحية.

– كما أن التحقق من المعلومة يستلزم نقلها من ذوي الاختصاص والخبرة، سواء كانوا من مهنيي الصحة، أو من جريدة أو منشور أو مجلة أو موقع مشهود لهم بالموضوعية العلمية.
– كما أن تنويع المصادر، والأخذ بأكثر من رأي، وتغليب العقل على القلب يجعلنا نتحقق أكثر من صدق المعلومة الطبية ونتأكد من سلامتها ورجحان منطقها.
 
أود أخيرا أن أشير إلى أن العلم لم يأت و لا يستطيع الإتيان بكافة الحقائق والتفسيرات والحلول لمشاغل حياتنا الدنيا – ومنها مشاكلنا الصحية، ولكنه على الأقل يحاول إيجادها بطرق يقبل بها العقل والمنطق، وليس بطرق ملتوية ليس لها أول ولا آخر، ولا ظاهر ولا باطن…
 .
 .
 لطرح أسئلتكم و استفساراتكم حول الموضوع، المرجو وضع تعليقاتكم أسفله…