أدوية حموضة و قرحة المعدة : من خاف سلم

بواسطة | نوفمبر 20, 2016 | الجهاز الهضمي, صيدلية الدواء | 2 تعليقات

عندما يتحول الدواء إلى عادة استهلاكية

.
تعد أدوية آلام أو حموضة أو حرقة أو قرحة المعدة من أكثر الأدوية استعمالا في العالم، وذلك راجع إلى تفشي الأمراض المرتبطة بالمعدة وبالجهاز الهضمي بشكل عام من جهة، وكذلك لتوفرها في الصيدليات بالبيع المباشر وبأشكال وأنواع مختلفة وبأثمنة زهيدة إلى مقبولة من جهة أخرى.
.
وبالتالي فقد أصبحت “أدوية المعدة” تباع مثل الأسبرين (في أيامها) دون أدنى مراقبة من طرف الطبيب أو الصيدلي، حيث أصبح الناس يتعاطون لها إما لسبب منطقي : أي ظهور أعراض مرتبطة باضطرابات هضمية كالغثيان والتقيؤ والحموضة وعسر الهضم وآلام أعلى البطن والانتفاخ إلى غير ذلك؛ أو لأسباب غير منطقية كالدوخة وآلام الرأس وفقدان الشهية و بومزوي والإرهاق، مرجعين هذه الأعراض إلى المعدة. ثم هناك من يتناول أدوية قرحة المعدة والحموضة حتى بدون سبب… كون البعض جعل من هذه الأدوية “مقبلات” قبل “الاستمتاع” بطعامهم المفضل كالكسكس والحريرة و “الرفيسة” أو حتى لشرب الشاي أو القهوة، معللين الأمر بكونها تحافظ على سلامة المعدة وتقيها من الميكروبات والمواد الصناعية والحمضية التي تتواجد في أغلب أطعمة عصرنا هذا، وكذلك بسبب نمط أكلنا الذي يحوي الكثير من الدهنيات والسكريات والبهارات.
.
الفكرة المركزية التي نود مناقشتها هنا، هي كون الناس ترى في هذه الأدوية منتجات غير مؤذية، بمعنى أنها إذا لم تنفع فإنها على الأقل لن تضر. وتلك فكرة غير صحيحة مطلقا، فالدواء يبقى دواءا، أي مستحضرا كيماويا غريبا على الجسم، يجب الالتزام بشروط دواعي استعماله : أي الأمراض أو الأعراض التي تستدعي تناوله وفق طريقة معينة وأوقات ومقادير مثبتة علميا، وليس وفق إرادة أو هوى الطبيب أو أي شخص آخر ربما لا يقدر أهمية الالتزام بشروط استخدام الأدوية.
.
لكن قبل التطرق إلى المشاكل التي قد تتسبب فيها أدوية الحموضة في حال تناولها بصورة عشوائية، دعونا أولا نتعرف على مصدر آلام المعدة التي “هلكت” الجميع ؛ ثم على أنواع الأدوية المضادة للحموضة و القرحة المعدية، كونها ليست على قلب دواء واحد، بل مجموعة متنوعة من المستحضرات الصيدلانية، ذات آليات عمل مختلفة، لكنها تجتمع على هدف رئيسي وهو الحؤول دون تأثر المعدة وما جاورها بالسائل العالي الحمضية الذي تقوم بإفرازه.
.
.

العصارة المعدية : وظائفها و تركيبها

.
تقوم المعدة بإفراز ما معدله لتر إلى لترين من عصارة معدية حمضية يوميا، هذه الأخيرة تتكون من عدة عناصر كيميائية تجتمع على هدفين رئيسيين :
.
🔺 تفكيك قطع الطعام الكبيرة التي تم مضغها وبلعها إلى قطع صغيرة قابلة للتفتيت المتقدم ومن تم الامتصاص على مستوى الأمعاء، كما أن هناك بداية لعملية الهضم خصوصا بالنسبة للمواد البروتينية التي تتحول إلى جزيئات صغيرة من بروتينات وأحماض أمينية.

🔺 تدمير الكائنات المجهرية المضرة المرافقة للأكل من باكتيريا وفيروسات وأوساخ… الخ.
.
وتتكون العصارة المعدية من العناصر الأساسية التالية:
.
حمض الكلوريدريك الذي تقوم بإفرازه غدد صماء تعرف بالخلايا الجدارية للمعدة، حيث تقوم – تحت تأثير وسائط هرمونية (gastrin) وعصبية (acetylcholin) وحتى مناعية (histamine) – باستقدام أيونات الهيدروجين الموجبة من بلازما الدم وتحريرها في المعدة عبر قنوات أو مضخات خاصة توجد في جدارها وتشتغل بالطاقة التي تتيحها جزيئات ATP لتنقيل أيونات الهيدروجين عكس التيار الطبيعي لمرور الأيونات. هذه العملية تحدث نوعا من الخلل في الشحنات بين الوسطين الداخلي (سالب) والخارجي (موجب) لخلية جدار المعدة، مما يحتم على هذه الأخيرة التخلص – أيضا عبر قنوات خاصة – من فائض الشحنات السالبة (أيونات الكلور السالبة) نحو الخارج. هذه الأخيرة ترتبط بأيونات الهيدروجين لتشكل حمض الكلوريدريك HCL. هذه التفاصيل مهمة للغاية حتى نتمكن من فهم عمل أهم أنواع الأدوية المضادة لحموضة المعدة.
.

.
✅ ثم هناك ما يعرف بالبيبسين، وهو الأنزيم الذي يقوم بتفكيك البروتينات إلى أحماض أمينية.
.
الليباز المعدية هي أنزيم آخر يساعد على تفكيك الدهون الثلاثية في انتظار تفكيكها الكلي لاحقا (من طرف الليباز البنكرياسية)
.
العامل المعدي الداخلي (Intrinsec factor) هو عبارة عن بروتين سكري ينتج بواسطة الخلايا الجدارية في المعدة. وهو من العوامل الضرورية جداً والمهمة لامتصاص فيتامين بي 12 في الأمعاء (وإلا فقر الدم).
.
✅ ثم هناك أنزيمات الرينين والليبوكيناز الخاصة بهضم الحليب عند الأطفال الرضع. 
.
✅ وأخيرا هناك ما يعرف بالغشاء المخاطي الذي يتشكل من جزيئات بروتينية وسكرية معقدة من خلال خلايا مختصة، و يلتصق هذا الغشاء بجدار المعدة لحمايته من التآكل أو التدمير الذاتي، إذا ما حدث اتصال مباشر بين الجدار والعصارة الحمضية.

أنواع أدوية الحموضة و قرحة المعدة

.
يمكن تقسيم الأدوية الموجهة لعلاج مشاكل المعدة المرتبطة باضطرابات العصارة المعدية إلى قسمين رئيسيين :  أولا هناك الأدوية المضادة للحموضة والضمادات المعدية، ثم الأدوية المضادة للإفرازات المعدية، والاختلاف بينهما جوهري :
.
🔺 فالأدوية المضادة للحموضة والضمادات المعدية عبارة عن مواد قلوية تحوي مشتقات من هيدروكسيد الألمنيوم، كربونات المغنيزيوم أو ثلاثي سيليكات المغنيزيوم، تتفاعل مع العصارة الحمضية لتتحول إلى ملح يترسب على جدار المعدة حاميا إياه، كما أنها تعلو سطح العصارة المعدية مانعة إياها من الصعود نحو المريء أو ما يعرف بالارتجاع المعدي المريئي. وهذا النوع من الأدوية يتوفر في كثير من الاشكال الصيدلانية كالأقراص، الأقراص القابلة للمضغ، الأكياس أو الشراب.
.

 
.🔺 أما الأدوية المضادة للإفرازات المعدية فتقوم – كما يبين ذلك اسمها – بتخفيض افرازات العصارة المعدية الحمضية عبر عدة آليات، اخترنا أهم اثنتين منهما :
.
مضادات أو حاصرات مستقبلات الهستامين 2 (H2 antagonist)، و هي مجموعة من الأدوية التي تدخل في سباق مع الهيستامين 2، حيث ترتبط بمستقبلاته على مستوى الخلايا الجدارية، و بالتالي تمنعه من تنشيط انتاج الأحماض.
.
 
 مضادات الإفرازات المعدية

.
ثم هناك مثبطات مضخة البروتون (Proton pump inhibitors) التي تعمل على توقيف أو بالأحرى تخفيض مستوى عمل القنوات التي تقوم بنقل أيونات الهيدروجين إلى خارج الخلايا الجدارية للمعدة.

 

.
يجب الحذر من الاستعمال العشوائي لأدوية حموضة المعدة

.
– وهنا نصل إلى بيت القصيد، إذ أن الاستعمال العشوائي و الغير المبرر للأدوية المضادة للإفرازات الحمضية المعدية، يؤدي إلى الارتفاع المزمن لقلوية العصارة المعدية، وبالتالي تصبح غير قادرة على تدمير الكائنات البكتيرية والفيروسية التي يتم إدخالها إلى الجسم مع الطعام، كما يزداد نمو الفطريات الذي تسكن الجهاز الهضمي (Candida Albicans) بنسبة أكبر، مؤدية إلى ظهور تعفنات قد يكون لها عواقب كبيرة على الجسم… هذا من جهة ؛
.
– من جهة أخرى، فالاستعمال المزمن لأدوية حموضة أو قرحة المعدة يساعد – بطبيعة الحال – على إيقاف آلام المعدة التي تعتبر تنبيها من الدماغ لوجود خطب ما. وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن آلام المعدة لا تعني دائما ارتفاع حموضتها أو تقرحها، بل أيضا بداية تشكل ورم أو جرح سرطاني يجب علاجه في وقت قصير قبل أن ينتشر إلى الأعضاء المجاورة، ومن تم إلى كافة الجسم حيث لا دواء بعد ذلك… لنقول بأن السبب كان هو إيقاف المنبه بواسطة أدوية قرحة المعدة.
.
– كما أن آلام المعدة قد يتم خلطها مع آلام أعضاء أخرى مجاورة، قد تتمظهر على شكل أعراض مشابهة، ولا يتم الانتباه إليها إلا بعد ظهور المضاعفات كالمرارة (انفجارها) والبنكرياس (التهاب البنكرياس أو سرطان البنكرياس) وفي بعض الأحيان الأزمات القلبية التي قد تسبق الذبحة الصدرية،… والسبب هو أن المريض اعتقد أن الامر يتعلق بحموضة المعدة ولم يستشر الطبيب رغم تواتر الأعراض مرارا وتكرارا. 
.
– أخيرا، ووفق نتائج دراسة حديثة (2016)، فالاستعمال المبالغ فيه للأدوية المضادة للإفرازات المعدية من نوع مثبطات مضخة البروتون يرفع من خطر الإصابة بالجلطة أو السكتة الدماغية إلى نسبة قد تصل إلى 94 في المئة.
.
.

كيف نتعامل مع آلام المعدة
. 

لكل ما قيل، نوصي بما يلي :
.

✅ اتباع حمية غذائية صديقة للجهاز الهضمي على وجه العموم وللمعدة على وجه الخصوص، كالإكثار من استهلاك الخضراوات والحبوب و مشتقاته، والتقليل من الدهنيات والمواد الحمضية أو المرة أو الحارة ويدخل في ذلك حتى الشاي والقهوة.

✅ الحذر في استعمال بعض الأدوية التي قد تسبب التهاب المعدة كأدوية الروماتيزم مثلا أو ضيق التنفس.
.
✅ يمكن استعمال الأدوية المضادة للحموضة لمدة لا تزيد على 48 ساعة، والأدوية المضادة للإفرازات المعدية لمدة لا تتجاوز الأسبوع دون وصفة طبية. و إذا لم تتحسن الأعراض يجب استشارة الطبيب على الفور. 
.
✅ عند تكرر الآلام على مستوى المعدة يجب القيام ببعض الفحوصات الاشعاعية والبيولوجية التي قد يكون من بينها تنظير المعدة المعروف ب”التيو” قصد التأكد من سلامة المعدة، وخصوصا عدم وجود تقرحات عميقة أو جروح أو أورام سرطانية.
.
.

 لطرح أسئلتكم و استفساراتكم حول الموضوع، المرجو وضع تعليقاتكم أسفله…