الخدمة الطبية الإجبارية بين التطلعات و الإكراهات

بواسطة | مايو 21, 2015 | خـواطـر | 0 تعليقات

يبدو أن السيد وزير صحة المملكة الشريفة لا يحب البقاء طويلا مسترخيا على كرسي الوزارة الأثير والفخم، بل أصبحنا نحسبه من عشاق التحديات والمغامرات، حيث ما ينفك “يغلق” ملفا من الملفات التي تخص صحة المواطن، إلا و يفتح ملفا آخر يحاول عبره – وبطريقته – حل مشكل من تلك المشاكل المزمنة التي يغرق فيها هذا الميدان الحيوي في كل بلاد البسيطة. والشاهد أن حتى “بويا عمر” – أكبر مركز “استشفائي” للأمراض النفسية – لم يسلم من مشاكسة الوزير و معاكسته….
 
قد نختلف مع طريقة تعامل البروفيسور الوردي مع هذا الملف أو ذاك، لكن الحق يقال أنه وزير نشيط ومتأهب لخوض المعارك، وهذا صراحة ما عهدناه فيه وقت كان أستاذا، ومن تم عميدا لكلية الطب والصيدلة بالبيضاء.
 
من بين آخر “غزوات” وزير الصحة، تطلعه إلى إعادة الخدمة الطبية الإجبارية للأطباء وباقي مهنيي الصحة المتخرجين حديثا لمدة قد تصل إلى سنتين. وسبب النزول – حسب الوزارة – وجود نقص حاد على مستوى الموارد البشرية، خصوصا في المناطق القروية والنائية.
 
ورغم أنه تم الرفع من عدد كليات الطب بالمملكة من كليتين أواخر القرن الماضي إلى 7 كليات حاليا، ووصول عدد الأطباء المتخرجين إلى حوالي 1800 في السنة، إلا أن الخصاص ما زال قائما لعدة اعتبارات أهمها : أن المتخرجين حديثا أصبحوا يفضلون العمل في القطاع الخاص أو الاختصاص غير الملزم للعمل في القطاع العام، أو حتى انتظار المباريات التي تضمن لهم وظائف في مناطق غير نائية.

وهكذا، تجد الوزارة نفسها أمام مأزق كبير، رغم العديد من المبادرات والمجهودات التي قامت بها قصد تقريب الخدمة الطبية من المواطن أينما كان. فيكون الحل في نظر المسؤولين إعادة الخدمة الطبية الإجبارية التي تم تعطيلها منذ سنوات ليست بقليلة لأسباب أجهلها صراحة.

 
الأطباء يحتجون
 
بالطبع، “نية” الوزير إخراج القانون المؤطر للخدمة الطبية الإجبارية لم تمر مرور الكرام، حيث أقامت الفئات المستهدفة بالمشروع الدنيا ولم تقعدها، من طلبة كليات الطب ومدارس ومعاهد الممرضين وأطباء ومهنيي قطاع الصحة عبر مختلف تمثيلياتهم النقابية والجمعوية، مبررين ذلك بعدة أسباب أهمها :

– أن السيد الوزير لم يستشرهم في الأمر بصفتهم المستهدفين بالعملية،

– أن القرار و كأنما يريد أن يوحي بأن الأطباء الذين يقبلون العمل في القطاع العام لا يعملون في المناطق النائية، وهذا مجانب تماما للواقع.
–  أن فكرة مشروع القانون تتناسى أن تقريب الخدمة الطبية من المواطن لا يكون فقط عبر توفير الموارد البشرية، بل أيضا عبر توفير أدوات العمل والظروف الملائمة له، والتشجيع المادي والمعنوي للكفاءات الطبية، قصد ضمان استمرارهم في القيام بعملهم في تلك المناطق الصعبة، بعيدا عن سياسة العصا و “بزز” لأن ذلك يأتي في الغالب بنتائج عكسية.
– عندما ستطبق الخدمة الطبية الإجبارية بدون إدماج ستحصل الوزارة على الموارد البشرية التي ستغطّي النقص الحاصل في قطاع الصحة ويزيد. لكن ما مصير الكادر الطبي عندما تنتهي فترة هذه الخدمة ؟ ربما يقولون له “سيرْ دْبّر على راسك”، أي المجهول.
– هناك دوافع أخرى تجعل زملاءنا في مهنة المتاعب لم يهضموا هذه الخطوة التي أقدم عليها زميلهم الطبيب من تلقاء نفسه : من شاكلة أنه يستهدفهم لأنهم الحلقة الأضعف ولا حول لهم ولا قوة، عكس مثلا الأساتذة الأطباء : حيث اضطرت الوزارة إلى التوافق معهم حول إمكانية عملهم في القطاع الخاص… كما أنه من المرجح أن تكون التعويضات هزيلة مع عدم احتساب الأقدمية، إلخ…
.
الأطباء يحتجون -2-
.
شخصيا، أرى أنه – مع افتراض حسن النية لدى الجانبين – فإن مشروع القانون هذا جيد، لكنه غير قادر على حل مشكل تقريب الخدمات الصحية للمواطنين بشكل جذري لأن الكادر ببساطة ليس هو جوهر المشكل، بل إن المنظومة بأكملها مختلة، إذ كيف يمكن أن أعمل وسط مناخ لا يساعد على العمل وأيضا في ظل الهوة الشاسعة بين طرق التدريس والتكوين المستوردة من “ماما” فرنسا، والواقع المحلي المتميز بانتشار الأمية وقلة الإمكانيات، وكون أغلب الكوادر الطبية ستشتغل بعيدا عن المراكز الاستشفائية الكبرى…
 
ثم ما معنى أن تجبرني على ما لم أتفق معك عليه منذ البداية : أي أنني التحقت بكلية الطب وفق شروط معينة ألتزم بها، مع اطلاعي التام بمدة وطرق الدراسة ومآلاتها المختلفة، لتأتي أنت تغير في تلك العقدة التي تربطني بك دون استشارتي كطرف في ذلك الاتفاق ؟
 
إذن، إذا كان السيد الوزير مصمما على إنزال هذا المشروع على أرض الواقع، فمن اللازم عليه – على الأقل – أن يسمح للمستهدفين به بالدفاع عن حقوقهم والتعبير عن رأيهم حول مسودة هذا المشروع وإغناءه بأفكار جديدة حتى يحدث التوافق المنشود، وتستفيد كافة الأطراف بما فيه خير الوطن والمواطن.
 
كما ننتظر من عموم الناس الابتعاد عن شخصنة القضية وشيطنة الكادر الطبي الذي يبقى أولا وأخير إنسانا فيه الصالح والطالح، والمصيب والمخطئ، والمجتهد والخانع، ومن يدافع عن الحقوق أو المصالح التي يخولها له الانتماء إلى هذا الوطن بحسن نية، ومن يدافع عنها بسوء نية… و هنا أتكلم بطبيعة الحال على الطرفين معا.
 

 لطرح أسئلتكم و استفساراتكم حول الموضوع، المرجو وضع تعليقاتكم أسفله…