تحليل الشخصية البشرية : الكمال لله

بواسطة | يناير 10, 2015 | الصحة النفسية | 0 تعليقات

لا يعترف علم النفس البشري بوجود إنسان سوي أو كامل نفسيا أو سلوكيا، بل يتكلم فقط عن الإنسان المتوازن أو شبه العادي، الذي من الممكن أن تكون له أفكار أو ممارسات قد تبدو غير عادية أو غريبة في أعين الناس، دون أن يجعل منه ذلك إنسانا مريضا، أي أنه لا يحتاج إلى رعاية أو علاج خاصين، إلا عندما تصبح هذه الممارسات أو السلوكيات مفرطة في التعبير عن نفسها، ومؤذية لصاحبها وللبيئة المحيطة به : بمعنى خروجها عن السيطرة الذاتية، وعدم قدرة المجتمع على التأقلم معها.
 
إذن، أراهنك أن الشخصية التي تميزك – بمعنى مجموع الحالات النفسية والوجودية والسلوكية المرتبطة بك – قد تنحو منحى إحدى الحالات النفسية العشرة المبينة أسفله، أو ربما مزيج بين اثنتين أو أكثر منها، لكن لا تخف، فأنت تبقى إنسانا عاديا… عفوا شبه عادي… 
.
.

 ⇐ الشخصية القلقة : 

هذه الشخصية تعتبر الحياة حبلى بمخاطر لا حصر لها، وبالتالي لا يجب التسرع في أخذ القرارات – أيا كان نوعها – إلا بعد تفكير وتمحيص للظروف والملابسات على كافة الأوجه. هؤلاء الأشخاص يعانون من تضخم في نظام الإنذار والرقابة الذاتية.
.
بالطبع، هذا الإحساس الدائم بعدم الأمان، يُبقي الشخصية القلقة المتأهبة تحت ضغط نفسي وجسدي دائم، خصوصا أن صاحبها يحاول – بشتى الطرق – السيطرة على البيئة المحيطة أو التأقلم معها، لدرء تلك الأخطار أو التنبؤ بها – وهذا أمر غير ممكن – وهو  واعي بذلك، الشيء الذي يزيد من توتره و تأهبه.

صاحب الشخصية القلقة متبصر للغاية وأمين في عمله، وهو ما يجعله محبوبا من طرف مشغليه أو زبنائه، لكونه يعتبرا موظفا نموذجيا.

هذه الحالة النفسية ليست إلا تمظهرا خارجيا لقلق نفسي عميق ولا شعوري، يجب على صاحبه البحث في مسبباته للتخلص منها عبر تقنيات الاسترخاء الذهني والجسدي. أما التطور المرضي للشخصية القلقة ، فيسمى : إﺿﻄﺮاب اﻟﻘﻠﻖ اﻟﻌﺎم.
.
.

 ⇐ الشخصية الهستيرية : 

هذه الحالة النفسية، الأكثر التصاقا بالنساء، لديها حاجة دائمة للظهور وإثارة الانتباه، وأن تبقى الأضواء مسلطة عليها باستمرار، عبر لجوئها إلى الإثارة (اللباس والجسد مثلا) والتمسرحية الظاهرة بجلاء للعيان. 
.
الأشخاص ذوو الشخصية الهيستيرية يتعاملون بطفولية زائدة مع المحيط الخارجي، مع أحاسيس وعواطف متقلبة يمكن أن تنتقل بسلاسة من السعادة والضحك إلى التأثر والبكاء. خطابهم تغلب عليه العاطفة، ونظرتهم إلى الناس مزاجية : فيرفعون البعض إلى رتبة القداسة والتمجيد، أو لا يعيرون اهتماما ولو بسيطا بالبعض الآخر.
تحت هذا المظهر اللامع الذي لا يمكن أن يبقيك غير مبالي، يختبئ شخص لديه إحساس بالدونية، ويسعى إلى الشعور بالطمأنينة وحب الآخرين، ويعتبر هذه الأخيرة نوعا من أنواع المساعدة. وقد تساعدها تقنيات الاسترخاء الذهني والجسدي في التغلب على هذا الإحساس الضاغط.
.
هذه الشخصية “الطبيعية” يمكن أن تتحول إلى أنواع من الحالات المرضية النفسية التي يطلق عليها إسم الأمراض التحولية، حيث يصاب المريض بالعمى أو الشلل أو الغياب عن الوعي أو الآلام المتغيرة حدتها ومواضعها، دون وجود لأدنى خلل عضوي أو بيولوجي.
 
 

 ⇐ الشخصية الوسواسية :

 

تحليل الشخصية الوسواسية يبين أنها تبحث بإلحاح على المثالية في تفكيرها وأعمالها : 100 في المئة أو الفشل الذريع. ولديها إحساس مرهف للتفاصيل، ولا تقبل بسهولة بأعمال واجتهادات الآخرين. كما أنها تشعر بالمسؤولية الشخصية عن محيطها و كل ما يدور حوله، و بالتالي فهي تحرص على تدبير شؤونه و الحفاظ على النظام فيه
فإن لم تتمكن، ينتابها  شعور كبير بالذنب. ومن تم فهي فريسة سهلة للشك، ويصبح اتخاذ القرار صعبا للغاية، مخافة ارتكاب خطأ شنيع.
.
الشخصية الوسواسية شخصية باردة عاطفيا نسبيا، وتبدو صارمة زيادة عن اللزوم، عنيدة، وغير قادرة على التعبير عن مشاعرها الداخلية، خصوصا الحماسة. لكن لديها في المقابل انجذاب كبير إلى النظافة والنظام والترتيب والتنسيق والجمع. لكن إذا زادت الأمور عن حدها انقلبت إلى مرض نفسي يدعى اضطراب الوسواس القهري.
.
.

 ⇐ الشخصية الإكتئابية : 

تنظر الشخصية الاكتئابية بتشاؤم  وسلبية للأحداث والأشياء. وترى فيها – مثل الشخصية القلقة – مصدرا للارتياب والقلق، لكن ليسا خوفا منها، ولكن بسبب الإحباط. وبالتالي، فمزاجها يغلب عليه الحزن و القلق، دون قدرة على الإحساس بالسعادة ؛ كما ينتابها بكثرة شعور بتأنيب الضمير والدونية. كل هذا يجعلها غير بارعة في التعبير عن مشاعرها أو المطالبة بحقوقها أو الدفاع عن آرائها، لأنها تنظر إلى ذلك على أنه أنانية منها، ولا يحق لها فعل ذلك.
هؤلاء الأشخاص يتعبون كثيرا في حياتهم، ويقدسون العمل على حساب سعادتهم ورفاهيتهم. بالطبع، يمكن أن تتحول الأمور إلى اضطراب مرضي اكتئابي يستلزم العلاج والرعاية الطبيتين.
.
.

 ⇐ الشخصية الحدية :

 

تتميز هذه الشخصية بتقلباتها المزاجية العنيفة والحادة، خصوصا الغضب الذي يخفي في ثناياه حالة من الاكتئاب وعدم الرضى. هي أيضا بحاجة باستمرار إلى الحنان والحب والمساعدة، لكنها لا تطيق الحميمية والتقرب الوجداني منها.
.
هذا التناقض في الأحاسيس والرغبات، يجعلها تقوم بتغييرات جذرية في نمط عيشها ولباسها وعلاقتها بالآخرين، وقد يصل بها الأمر إلى مرحلة من انسداد الأفق تفكر خلالها بالانتحار.
 

 ⇐ الشخصية الاعتمادية :

 

هذه الشخصية لا تملك أية قدرة على مراجعة الأحداث أو انتقاد الأشخاص، لأنها تجدهم دائما أكبر أو أحسن منها، ولا طاقة لها على مواجهتهم. وبالتالي تجد ضالتها في تتبع خطاهم والسير على منوالهم، وتتحين الفرصة للانضمام إليهم ومرافقتهم، حتى وإن كانوا لا يتوافقون مع نمط تفكيرها وعيشها، وهي بذلك مستعدة للتنازل والقبول بالشروط، وعدم المعارضة والمساعدة اللامشروطة : إنها شخصية خدومة.

 

كثر ما يؤرق هذه الشخصية هو أن تجد نفسها وحيدة، لأنها لا تستطيع أن تتخذ قرارات بنفسها، لنفسها أو لغيرها : لأن الآخر دائما هو أكثر أهلية لذلك : فتجدها تترك لشريكها في الحياة أو العمل أو… كل الصلاحيات لاتخاذ القرارات أو لبناء حياتها ومستقبلها، حتى وإن كان ذلك لا ينسجم مع أفكارها ورؤيتها للأشياء أو حتى مدمرا لها ؛ أما هي فلا يمكنها إلا تقتفي الخطوات وتمشي على المنوال.
عندما تتطور الأمور إلى حالة مرضية، تصبح الشخصية الاعتمادية ارتهانية وكثيرة المتطلبات اتجاه الآخر الذي يصبح مضطهدا. كما أن حالة الارتباط الشديدة، قد يجعلها ترضى مثلا بشركاء حياة عنيفين ومستبدين، قد يسيئون معاملتها جسديا و نفسيا.
 

 ⇐ الشخصية النرجسية : 

 
هؤلاء الأشخاص معجبون كثيرا بأنفسهم، و يعتقدون أنهم أفضل من غيرهم. كما أنهم يبحثون دائما على الظهور و البقاء تحت الأضواء، و يحبون الإطراء و لا يستسيغون الانتقادات. لهم  أيضا اهتمام مفرط بالمظاهر الخارجية و الهندام و طريقة الكلام…
لا يجد أصحاب الشخصية النرجسية غضاضة في التلاعب بمشاعر الآخرين، بحثا منهم عن الوصول لأهدافهم، باستخدامهم لتقنيات الإغراء والثناء والإِشْعَار بِالذَّنْبِ والانتقاد…
.
أما عندما يشعرون بأنهم لم يُبَوؤو المقام الذي يليق بهم، أو لم يُأخذ بأفكارهم أو لم يتم الذهاب في الاتجاه الذي يروه هم مناسبا، فهذا يولد لديهم الغضب والكراهية : إنهم لا يتحملون غير أولئك الذين يشاركونهم أفكارهم ؛ وكم هي المتعة التي يحسون بها عندما يلتف هؤلاء حولهم.
هم جذابون للغاية، إذا كنت تشاهدهم عن بعد أو تتعامل معهم لأول مرة، لكن يظهر سريعا أنهم لا يطاقون، لكونهم يريدون أو يتطلعون دائما إلى المزيد.
.

 ⇐ الشخصية الشكاكة : 

. 

الشخصة الشكاكة

.

الحذر و انعدام الثقة هو ما يميز هذه الشخصية التي يميل أصحابها إلى تفسير كل شيء على أنه نتيجة لأفعال ضارة أو أفكار ضالة. كما يتميز هؤلاء بقوة الشخصية، بحيث لا يمكنك أن تقنعهم بعكس ما يؤمنون به بسهولة، كما أنهم لا يتنازلون عن ما قد يعتبرونه حقهم أو ملكهم حتى ولو وصل بهم الأمر إلى القيام بردود أفعال مفرطة، كما لا يتعبون في البحث على أدلة تزكي شكوكهم وأفكارهم.

إنهم أناس جد غيورين، لا يملكون أي حس للفكاهة، بل وقد لا يُظهرون أية مشاعر إيجابية اتجاه الآخرين. قد تصاب الشخصية الارتيابية بجنون الاضطهاد إذا زادت الأمور عن حدها.
.

.

 ⇐ الشخصية الفصامية  :

يظهر تحليل الشخصية الفصامية على أنها شخصية متحفظة للغاية، إلى درجة أنك تحس بأنك تزعجها إذا تكلمت معها، ويرجع الأمر إلى كونها هي أيضا تجد صعوبة في التواصل والتعبير، وهذا ما يجعلها تفضل الانعزال والتقوقع. كما أنها لا تعير اهتماما للرأي الآخر، سواء كان انتقادا أو إطراءا، فهما سيان عندها. إنها تبدو لا مبالية وغامضة. ربع مرضى الفصام تكون شخصيتهم فصامية.
 

 ⇐ الشخصية  السيكوباتية : 

 
هذه الأخيرة تتميز بعدم احترامها أو اكتراثها بالأخلاق والمعايير والقوانين التي تُسيِّر أو تنظم حياة الأفراد والمجتمعات. إنها شخصية مزاجية ومندفعة وجريئة، لا تفكر في النتائج، بل تفضل الانتقال مباشرة إلى الفعل، مكان التريث والتفكير. كما أن تأنيب الضمير لا يعني لها شيئا.
في المقابل، أصحاب هذه الشخصية يحبون المغامرة، و إذا لم يدخلوا إلى عالم الجريمة من أوسع أبوابه، فقد ينجحون في حياتهم بتألق.

نُذكِّر في الأخير، أن تحليل الشخصية البشرية بالطريقة أعلاه يبقى مبسطا نسبيا لأن الطبيعة النفسية الإنسانية غنية ومعقدة، بحيث يمكننا أن نجد أناسا لديهم شخصية مركبة : نرجسية / هستيرية – وسواسية / اكتئابيه – عصبية / اتكالية…، كما أن حدة أو نسبة ظهور الأعراض المميزة مختلفة من شخص لآخر، وبالتالي ليس من المرجح أن تعثر على حالتين نفسيتين متشابهتين تماما.
.
أيضا، هذه الحالات التي تعتبر طبيعية – إذا لم تكن مفرطة في تمظهرها – هي أساس التبادل القيمي بين الأفراد، ليُكمِّل أو ينافس أو يغني أو حتى يدمر بعضهم البعض.

.
.

 لطرح أسئلتكم و استفساراتكم حول الموضوع، المرجو وضع تعليقاتكم أسفله…